وبسرعة البرق كانت الأبواق تصرع صمت الليل وتملأ الشارع الخالي ضجيجًا. لا يمكن أن تغفلها كاميرات المراقبة الموضوعة على الأسوار. انتبه لها أفراد المراقبة على الشاشة فأطلقوا جهاز الانذار. عندما خرق أذنها الدوي الصارخ، نهضت بسرعة كحصان جامح، خلعت حذاءها وركضت بما أوتيت من قوة رغم ضعفها. سلكت الشوارع الخلفية تغوص قدمها في أكوام الزبالة وبرك مياه الصرف الطافحة، تدفع الأبواب المغلقة وتتجاوز النوافذ الخفيضة وصناديق القمامة. تتعثر، تنهض، كفريسة هاربة من جيش الضباع. دلفت إلى مدخل عمارة شاهقة. كان المدخل منير ونظيف، جدران مبطنة بالجرانيت المصقول. يحمل السقف العديد من المصابيح ما جعل المدخل يشع ضوءً وهاجًا. تلفتت حولها بسرعة فلم تجد مكان ملائم للاختباء، صعود الدرج كان هو المنفذ الوحيد، استلمته صاعدة بسرعة للطابق الثاني، مخلفة وراءها آثار أقدامها المتسخة. مسحت أثرها بسرعة وحرصت أن يلمس الدرج طرف أصابعها فقط، وكَنّت خلف الدرابزين تراقب شبح رجلين تسللا إلى المدخل يدورون فيه. اختبأت كقطة ماهرة تكورت على نفسها. كتمت أنفاسها وهي تصخ سمعها لأصوات خطواتهم التي ما لبثت أن هضمها السكون. انتعلت حذاءها ونهضت تعدل هندامها أمام مرآة كبيرة. جعلها الصوت الذكوري الرخيم تلتفت بجزع نحوه، رجل في الخمسين يحمل أنفه نظارة بإطار أسود، تأملت أناقته وهي تنظر إلى الجزمة اللامعة والبدلة السوداء البهية وشعره الناعم، برغم الشح الواضح للسواد في رأسه. لكنه بدا لها لطيفًا. التفتت إليه وهي تراقب ملامحه بتحفظ. ابتسم لها بهدوء وقال: أنا رأفت، أسكن في الطابق الرابع، مهندس بترول.. وأنتِ؟
تبتلع ريقها. تقول بلسان يتلعثم: أنا، أنا سحر.. كنت تائهة ودخلت هنا عن طريق الخطأ.
قال وهو يرفع عويناته أعلى أنفه: أشعر أنني رأيتك في مكان ما. قالت وهي تهم بالمغادرة: لا أظن ذلك.. لم نتقابل قبل ذلك، ولا أظنني رأيتك قبل اليوم. أنا متأكد أنني رأيتك في زمان ما، ربما رأيتك في أحلامي، لدي من الأحلام الكثير، يمكنك أن تدعوني رجل الأحلام إن أردتِ.. وسيسرني لو قبلتِ دعوتي على فنجان قهوة، وربما أقرأه لك، تقول لي زوجتي دومًا أنني بارع في قراءة الفنجان.
قطبت حاجبيها: هل أنت متزوج؟ نعم أمتلك زوجة رقيقة، أجمل قطة في العالم.