بينما كان الوقت يمضي، كانت الحرارة تزداد يومًا بعد يوم، لم يكن هناك شيء يمنعنا من البقاء في (بسكرة) إلا سحرها الذي استدعاني للعودة إليها لاحقًا أخذنا قرارنا بمغادرة المدينة فجأة وفي خلال ثلاث ساعات كانت أغراضنا محزمة، انطلق القطار في الصباح التالي عند الفجر
أتذكر تلك الليلة الأخيرة، كانت القمر مكتمل تقريبًا، وكأنه يتدفق إلى غرفتي من النافذة المفتوحة على أقصاها، كانت مارسيلين نائمة، حاولت أن أخلد للنوم لكن بلا جدوى، شعرت أن بداخلي شعلة سعيدة - شعلة الحياة نفسها، نهضت، وغمرت يدي ووجهي بالماء، ثم فتحت الأبواب الزجاجية وخرجت.
كان الوقت قد تأخر بالفعل، لم يكن هناك أي صوت، ولا حتى زفير، بدا الجو نفسه- خاملا تمكنت فقط من سماع عواء الكلاب العربية - التي ظلت تنبح طوال الليل مثل الذئاب- من بعيد فقط، أمامي كان يقع الفناء الصغير، ومقابلي كان هناك حائط يلقي شريطا مائلا من الظل، حتى النخيل العادية فقدت لونها ورونقها، بدت وكأنها متحجرة، ولكن حتى خلال النوم ما زال هناك بعض من نبضات الحياة.
أرعبني هذا الهدوء، وفجأة أدركت الحياة المأساوية التي طالما عشتها؛ حضرتني هذه الأفكار كأنها احتجاج، تسعى للتأكيد على وجودها لتبرز نفسها خلال الصمت السائد حضرت بقوة، بقوة عاتية، بقوة مؤلمة إلى حد ما تمنيت لو كنت قد صرخت بصوت عال، لو كنت قادرًا على الصراخ مثل حيوان، أتذكر أنني أمسكت بيدي، أتذكر أني وضعت يدي اليسرى فوق يدي اليمنى، وأردت أن أرفعهما إلى رأسي وفعلت ذلك، لماذا؟ لأطمئن على نفسي بأنني حي، ولأشعر بعظمة ذلك وكم أن شعور الحرية رائع لمست جبهتي جفني عيوني ثم سارت رعشة في جسدي فكرت بأنه سيأتي يوم لا محالة يوم سأكون عاجزًا فيه حتى عن رفع كوب الماء إلى شفتي عندما أشعر بالعطش ذهبت للداخل، لكني لم أستلق مرة أخرى على الفور؛ أردت تثبيت تلك الليلة، ونقش ذكراها في ذهني والحفاظ عليها، مترددًا فيما سأفعله أخذت كتابًا من على طاولتي كان- الكتاب المقدس وفتحته عشوائيا، وانحنيت فوقه تحت ضوء القمر؛ حتى أتمكن من القراءة، رحت أقرأ كلمات المسيح، فوافقت تلك الكلمات التي لم أنسها أبدا
"حينما كنت شابًا، كنت تسابق الزمن وتسير حيثما تشاء، لكن حينما تكبر ستمد يديك... ستمد يديك..."