قبل الشروع في عرض المناظرات ـــــ موضوع هذا الكتاب ــــــ وَجَدتُ أنه من المفيد أن نعطي للقارئ غير المتخصص نبذة مبسطة عن أصل هذه الأفكار التي واجهناها في المناظرات وطبيعة مَصْدرها الرئيسي.
فالكتاب يحتوي على مناظرات مع أصحاب الفكر الفلسفي ومع من يُسَمّون أنفسهم بالقرآنيين والعلمانيين وأصحاب دعوى تجديد الخطاب الديني إلى آخر تلك المسميات التي ظهرت في الإعلام منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم.
لذلك من اللازم أن نعرض لتاريخ تلك الأفكار بشكل مختصر غير مدقق وغير تفصيلي بحيث يستوعب القارئ الفكرة دون الدخول في معترك علوم الفلسفة أو غيرها.
أما القارئ المحب للاطلاع فقد وضعنا له أصول المراجع التي تحتوي على تلك القضايا بشكل منهجي وأكاديمي يغطى شتى جوانبها.
وتلك الأفكار لها مصدر تاريخي عتيق هو فلسفة القانون الطبيعي" " أو فلسفة الإلهيات التي تبناها وأسسها فلاسفة الإغريق سقراط وتلميذاه أفلاطون وأرسطو.
وهي الفلسفة التي ظلت قائمة بأوربا حتى ظهور المسيحية وبعد ظهور المسيحية في أوربا تم إدماج نظريات فلسفة اليونان بالعقيدة المسيحية ذاتها واستمرت تلك الفلسفة قائمة بأوربا خلال فترة عصور الظلام حتى انهيارها بظهور فلسفة العقد الاجتماعي التي أدت للثورة الفرنسية وانتهاء عصر السيطرة الكنسية.
أما في التاريخ الإسلامي والعربي.
فمصدر هذه الأفكار هم فرقة (المعتزلة) الذين ظهروا في القرن الثاني وقاموا باستيراد كتب الفكر اليوناني ذاتها وترجمتها وشرحها وإدخالها على علم العقيدة الإسلامية وهو ما تسبب في صراع شرس بينهم وبين علماء الفقه والحديث انتهى بهزيمة المعتزلة علميا أمام كبار علماء السنة منذ معركتهم الأولى التي واجههم فيها الإمام أحمد بن حنبل وحتى اليوم.
لكن أفكارهم تلك بقيت تتسرب عبر الأجيال حتى اليوم, ومع عدم متابعة معظم الناس أو معرفتهم بهذا التاريخ استغلت حركات التغريب والعلمانية وغيرها تلك الأفكار لإعادة بعثها من جديد