استدار حتى يهم بالذهاب ومن بعده حارس الكنيسه، وساد صمت شديد في الكنيسة الصغيرة لبضع دقائق، لدرجة أنه يمكن سماع صوت كاسر الحجارة وهو يعمل خلف التلال، ثم قامت امرأة، واقتربت من أم الكاهن باولو، ووضعت يدها على كتفها وهي تنحني وتهمس:
- "ينبغي أن يأتي ابنك حالا ليسمع اعتراف الملك نيقوديموس، الذي كان يعاني من مرض خطير".
فاستفاقت من أفكارها الحزينة، ورفعت عينيها إلى المتحدث وتذكرت أن الملك نيقوديموس كان صيادًا عجوزًا رائعًا يعيش في كوخ في أعالي الجبال، وسألتها عما إذا يجب على باولو أن يصعد إلى هناك؛ ليسمع الاعتراف، همست المرأة:
"لا، لقد أوصله أقاربه إلى القرية".
فذهبت الأم حتى تخبر باولو الذي دخل إلى الخزانة الصغيرة، وتعرى بمساعدة أنطيوخوس، وسألته:
- "ستعود إلى المنزل أولًا وتشرب قهوتك، ثم تذهب إلى نيقوديموس الذي ينتظرك ليعترف؛ أليس كذلك؟".
لكنه تجنَّب النظر إليها، ولم يُجب حتى كأنه لم يسمع، بل تظاهر بأنه على عجلة من أمره للذهاب إلى الرجل العجوز المريض، كانت أفكار كلَّ من الأم والابن تدور حول الشيء نفسه، ألا وهو الرسالة المسلمة إلى أغنيس لكن لم يتحدثا عنها، بل تبادلا النظرات فقط، ثم أسرع بعيدًا كأنه يتحاشاها، حتى لا يسألها عما حدث، وانشغل بتبديل الملابس في الخزانة السوداء، بينما هي وقفت هناك مثل قطعة من الخشب، وقالت لأنطيوخوس:
- "كان من الأفضل لو لم أخبره عن نيقوديموس حتى يعود إلى المنزل ويتناول قهوته، أليس كذلك؟".
أجابها أنطيوخوس بجدية وهو يدس رأسه من خلال باب الخزانة:
- "يجب على الكاهن أن يعتاد على كل شيء".
ثم أضاف وهو يعود إلى عمله في الداخل:
- "ربما يكون غاضبًا مني؛ لأنه يقول دائما لي أنني غافل، لكن هذا ليس صحيحًا، أؤكد لكِ أنني لستُ كذلك، لكن فقط عندما نظرت إلى هؤلاء الرجال المسنين شعرت بميل إلى الضحك وذلك لأنهم لم يفهموا كلمةً واحدةً من الخطبة، وجلسوا هناك وأفواههم مفتوحة؛ لأنهم لم يفهموا شيئًا، أراهنك أنَّ ماركو بانيزا العجوز يعتقد حقًا أنه يجب عليه أن يغسل وجهه كل يوم، وهو الذي لا يغتسل أبدًا إلا في عيد الفصح ، وعيد الميلاد! وسترون أنه من الآن فصاعدًا سيأتون جميعًا إلى الكنيسة كل يوم، لأنه أخبرهم أن الفقر سيختفي إذا فعلوا ذلك".
وبينما هو يتحدث معها هكذا كانت لا تزال واقفةً هناك دون حراك، تنصت له باهتمام ویداها متشابكتان فوق مئزرها، وقالت حتى تظهر أنها على الأقل قد فهمت: