هذا العقل الباطن قديم في نفوسنا، وطريقة إقناعه ليست المنطق بل الإيحاء، وهو يجري على أساليب قديمة في تفكيره، فهو لا يفهم مثلا الصور المجردة للمعاني؛ ولذلك فطريقة تفكيره هي الرموز؛ أي إنه يضع للمعنى المجرد كالموت أو الشرف أو الحياة رمزًا مجسَّمًا كما نرى ذلك في الأحلام.
ثم هو في أغراضه يسير على الطرق الصبيانية فيطلب اللذة والسرور فقط، فنحن مثلا إذا تخاصمنا مع أحد الناس وتركنا الخواطر تجري بلا عائق من العقل الواعي؛ أي بلا رقابة منه ألفينا أنفسنا نتخيل هذا الخصم وهو مقهور مهانّ أمامنا، فإذا نمنا وزالت سيطرة العقل الواعي تمامًا رأينا هذا الخصم ونحن نضربه أو نقتله، مع أن موضوع الخصام قد لا يتطلب منا وقتَ وغينا ويقظتنا سوى أن نلوم هذا الخصم لومًا خفيفًا.
فعقلنا الباطن يجري على أساليب آبائنا المتوحشين، وغرائزه كلها غشيمة في الحب والانتقام لم تتهذب، وهو يجري على الثقافة القديمة ويكتسب تجارب من حياة الصبا أو الشباب ثم يحيلها إلى رموز، وهذه الرموز التي نراها في الحلم تشبه كل الشبه، بل قد تتفق أحيانًا كثيرة والرموز التي كان يرمز بها آباؤنا للمعاني حين شرعوا في تأليف اللغات ووضع الألفاظ وإيجاد الاستعارات والمجازات التي هي في الواقع رموز.