توقفت (شهيرة) مع (جميلة) فوق جسر خشبى يربط بين حافتي بحيرة صناعية واسعة أسفله تتطلعا إلى السماء المظلمة تنيرها النجوم المتلألئة عندما ابتسمت الأولى وهى تقول بخفوت:
يعلمون تمامًا متى أحتاج لسماع تلك المقطوعة .
ابتسمت (جميلة) بدورها وهى تقول متطلعة إليها:
حقا (شهيرة) .. ما سر عشقك لها لهذا الحد ؟
استمعت (شهيرة) للموسيقى للحظات في صمت ثم قال بخفوت مبتسم :
طيلة عمرى أعشق الموسيقى الكلاسيك ، استمع إليها دون ملل لكن هذه المقطوعة بالذات تحمل مكانة بقلبي لا يضاهيها أى شئ آخر .. لا أتخيل يوما يمر على دون سماعها.
لاحت الدهشة على وجه (جميلة) وهى تنظر إليها قائلة:
إلى هذا الحد ؟!.. ولكن لم هي بالذات ؟
ابتسمت (شهيرة) متمتمة بنفس الخفوت الباسم:
هي وحدها تعلم .
بان التساؤل بعينى (جميلة) قائلة بخفوت حائر:
هي من ؟
رفعت (شهيرة) وجهها الباسم المشرق إلى السماء وقالت بابتسامة عذبة حانية تتألق على شفتيها الجميليتن وهى تشير برأسها نحو نجمة متوهجة مضيئة وتسللت أناملها تداعب السلسلة القصيرة ذات النجمة المحيطة بعنقها تحت ياقة بلوزتها برقة:
هذه .. وحدها تعلم عنى كل شئ اشتريتها منذ سنوات طويلة ودفعت لها كل أسرارى .. أصبحت ملكي .. وحدى دون الناس جميعًا .. لا تنسانى أو أنساها .. لا تفارقني .. لا تسأمني .. تحتويني بنورها ودفئها وكأنما تنير أعماقي المظلمة كلها ، تضمنى إلى عالم بعيد .. عالم يجذبني لدنيا أخرى غير التي أعيشها وتمنيت أن أعيشها ...
و نظرت إليها مردفة بخفوت رقيق عذب:
تماما كما تفعل هذه الموسيقى معى .. تدغدغ مشاعري وتملأ وجداني، تنساب إلى جسدى كله وتسيطر عليه بدون قيود .. تُخفض ذلك الضجيج الذي يحيط بي ويغرقني في بحر مظلم يكاد يسحقني .
تأملتها (جميلة) في صمت للحظات طوال ثم تمتمت بخفوت مبتسم يملأه الحنان:
لم أكن أعلم إنك حالمة ورقيقة إلى هذا الحد.
أطلقت (شهيرة) تنهيدة حارة وهى تدير وجهها جانبًا تمسح تلك الدمعة التي تسللت لعينيها رغمًا عنها وترسم ابتسامة على شفتيها متمتمة:
فقط عندما استمع إليها .
و نظرت إليها من جديد مستطردة بابتسامة هادئة:
سنستكمل غدًا دروسنا ولن أقبل أعذار أو حجج أخرى .
تنهدت (جميلة ) قائلة بلهجة يشوبها الرجاء:
أمازالت مصرة على ذلك ؟
ضحکت (شهيرة) بمرح وهى تتأبط ذراعها ببساطة وتقول:
بلى .. ولن أتراجع عن ذلك .
تقطب جبين (جميلة) وهى تقول باعتراض:
كم أنتِ عنيدة حقا .. لكنى أحذرك بأن هذا سيكون صعبا .
سارتا معًا على الجسر نحو إحدى طرفيه و (شهيرة) تقول بصوت واثق هادئ باسم:
دع الصعب لى .. لقد أقسمت يومًا على أن أستفيد من كل درس تعلمته بحياتي .
هتفت (جميلة) بصوت مرح:
وبم سيفيدني تعلم ركوب الخيل ؟!
أجابتها بهدوء باسم:
سيعلمك القوة والثبات وأنتى ترويضين أى شئ ليكون تحت إمرتك .. ألا تستسلمى مطلقًا للظروف مهما كانت قاسية ، بل تكونى أقوى منها .